صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 5 من 6
Like Tree1Likes

الموضوع: تفسير سورة ألم نشرح

بسم الله الرحمن الرحيم (سورة ألم نشرح) (12) إعداد: هشام بن فهمي العارف إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله

  1. #1
    (>>((( عضو أساسي )))<<) الصورة الرمزية إنجازات
    تاريخ التسجيل
    Dec 2012
    الدولة
    بلاد الإسلام هى بلادي
    المشاركات
    5,306
    معدل تقييم المستوى
    19

    افتراضي تفسير سورة ألم نشرح

    بسم الله الرحمن الرحيم



    (سورة ألم نشرح) (12)



    إعداد: هشام بن فهمي العارف



    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
    أما بعد...؛
    بعد أن أكّد الله تعالى لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سورة الضحى على مواصلة عنايته به ورعايته له، وذكَّره فيها بالنعم التي أنعمها عليه، أوصاه في ختامها بالشكر، فقال:
    1- (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)
    والسورتان ـ الضحى وألم نشرح ـ متصلتان في المعنى، ففيهما امتنان الله تعالى على نبيِّه بما أمدَّه من النعم، يدل عليه حديث عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ:
    2- "قال: ألم أجدك يتيماً فآويتك؟ ألم أجدك ضالاً فهديتك؟ ألم أجدك عائلاً فأغنيتك؟ ألم أشرح لك صدرك، ووضعت عنك وزرك؟".
    فامتنَّ الله تعالى في سورة الضحى على نبيِّه ـ عليه السلام ـ بمنن ثلاث، وأتبعها هنا في سورة الانشراح بثلاث أخرى؛ أولها: تطمين لنفس النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنه سبحانه وتعالى شرح صدره وجعل قلبه وعاء للحكمة لذا قال:

    أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1)


    والنون في قوله (نَشْرَحْ) نون العظمة، وتدل على عظمة النعمة، لأن المنعم العظيم، يمنح العظيم من النعم.
    والاستفهام في قوله تعالى (أَلَمْ نَشْرَحْ) للتقرير المقصود به: التذكير. يعني: قد شرحنا لك صدرك يا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وتقريره ـ عليه الصلاة والسلام ـ بذلك لكي يشكر هذه النعمة ويقدّرها حق قدرها.
    على أن انشراح صدر الداعية إلى الله من المطالب المهمة، من أجل القيام بوظيفته السامية بثبات وحكمة وبصيرة، وبهمة عالية، وعزيمة قوية. فالناصح الأمين، والمرشد الحكيم، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، معرّض باستمرار للأذى الذي يحدِث الهم والحزن والضيق في الصدر، فهو بحاجة دائمة إلى نعمة انشراح الصدر لمتابعة وظيفته والقيام بأعباء الدعوة إلى الله على بصيرة.
    3- "والظاهر أنه إيثار بما طلبه موسى ـ عليه السلام ـ:
    4- (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي(25) [طه]
    وأنه بادَاه به من غير طلب، وهو قَدْر زائد على مطلق الرسالة، متضمن حمل ثقل تبليغها".["البحر المديد"(8/491)]
    ولمّا قرره الله عز وجل بهذه النعم التي ذكرت في السورتين كان جوابه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ:
    5- "بلى يا رب".
    قال ابن رجب الحنبلي ـ رحمه الله ـ:
    6- "وقال لنبيه (وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى(7) والمراد وجدك غير عالم بما علّمك من الكتاب والحكمة، فالإنسان يولد مفطوراً على قبول الحق، فإن هداه الله سبَّب له من يعلّمه الهدى، فصار مهتدياً بالفعل بعد أن كان مهتدياً بالقوة. وإن خذله قيَّض له من يعلّمه ما يغير فطرته كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
    7- "كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه".[في الصحيحين، وغيرهما]
    وهنا في سورة "ألم نشرح" حصل له بعد نعمة الهداية نعمة الانشراح؛ شرح حسّي، وانشراح معنوي.
    فأما الحسّي: فعن عتبة بن عبد السلمي أنه حدثهم ـ وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له رجل:
    8- "كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟!

    قال:
    9- "كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا، ولم نأخذ معنا زاداً، فقلت: يا أخي! اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل طائران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال الآخر: نعم. فأقبلا يبتدراني، فأخذاني، فبطحاني للقفا، فشقا بطني ثم استخرجا قلبي، فشقّاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال: أحدهما لصاحبه: ائتني بماء ثلج، فغسل به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد، فغسل به قلبي. ثم قال: ائتني بالسكينة، فذرَّه في قلبي. ثم قال أحدهما لصاحبه: حصه. فحاصه وختم عليه بخاتم النبوة، الحديث".["الصحيحة"(373)]
    وعن أنس بن مالك:
    10- "أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أتاه جبريل ـ عليه السلام ـ وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب، واستخرج معه علقة سوداء، فقال: هذا حظ الشيطان. ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني: ظئره - فقالوا: إن محمداً قد قتل. فاستقبلوه وهو منتقع اللون".
    قال أنس:
    11- "وقد كنت أرى ذلك المخيط في صدره".[رواه مسلم، وغيره، والظئر: المرضعة لغير ولدها]
    وتكررت الحادثة يوم أن أسري به ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى المسجد الأقصى وعرج به إلى السموات العلى فعن مالك بن صعصعة ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً:
    12- "فأتيت بطست من ذهب ملأه حكمة وإيماناً فشق من النحر إلى مراق البطن فغسل القلب بماء زمزم ثم ملئ حكمة وإيماناً".["الإسراء والمعراج"(ص:13)]
    وفي رواية عن أنس:
    13- "أن ملكين أتيا رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ فذهبا به إلى زمزم فشقا بطنه وأخرجا حشوه في طست من ذهب فغسلاه بماء زمزم ثم كبسا جوفه حكمة وعلما".["الإسراء والمعراج"(ص:26)]
    فقد أودع في جوفه ـ صلى الله عليه وسلم ـ الإيمان والهدى والحكمة والعلم والفضائل، وبهذا حصل الشرح المعنوي بعد الحسي. بأن يكون متسعاً لحكم الله عز وجل بنوعيه الشرعي والقدري قال ابن كثير:
    14- "أما شرحنا لك صدرك، أي: نورناه وجعلناه فسيحاً رحيباً واسعاً ..".
    وقال الشوكاني ـ رحمه الله ـ:
    15- "والمراد الامتنان عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بفتح صدره وتوسيعه حتى قام بما قام به من الدعوة، وقدر على ما قدر عليه من حمل أعباء النبوة وحفظ الوحي".
    والشرح في اللغة: يأتي بمعنى: قطعِ اللحم وشقِّه، وهذا يناسب معناه الحسي الذي تقدم، ويأتي الشرح بمعنى: الكشف والإيضاح، ومنه شرح الكتاب، قال ابن كثير:
    16- "وكما شرح الله صدره، كذلك جعل شرعه فسيحاً رحيباً واسعاً سهلاً لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق".
    والشرح في الأصل: الفسح والتوسعة، وهو ضد الضيق والحزن، ومنه شرح الصدر للإسلام، قال تعالى:
    17- (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ..(125) [الأنعام]
    قال الشيخ محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:
    18- "إذن شرح الصدر يعني: توسعته وتهيئته لأحكام الله الشرعية والقدرية، لا يضيق بأحكام الله ذرعاً إطلاقاً، ونبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ له الحظ الأوفر من ذلك، ولهذا تجده اتقى الناس لله، وأشدّهم قياماً بطاعة الله، وأكثرهم صبراً على أقدار الله".
    ولمّا كان الصدر محل العلم والقرآن، بدليل قوله تعالى:
    19- "( بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ..(49) [العنكبوت]
    20- "والقلب محل العقل والمعرفة، وهو الذي يقصده الشيطان، فالشيطان يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب، فإذا وجد مسلكاً أغار فيه، وبث فيه الهموم، فيضيق القلب، ولا يجد للطاعة لذة، وإذا طرد العدو في الابتداء حصل الأمن وانشرح الصدر".[نقله صاحب "التفسير الكبير" عن محمد بن علي الترمذي]
    وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
    21- "وتأمل السر في قوله تعالى:
    22- (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) [الناس]
    ولم يقل في قلوبهم، والصدر هو ساحة القلب وبيته، فمنه تدخل الواردات إليه؛ فتجتمع في الصدر ثم تلج في القلب. فهو بمنزلة الدهليز له، ومن القلب تخرج الأوامر والإرادات إلى الصدر ثم تتفرق على الجنود. ومن فهم هذا فهم قوله تعالى:
    23- (..وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ..(154)[آل عمران]
    24- "والوسوسة سببها إما جهل بالشرع، وإما خبل في العقل، وكلاهما من أعظم النقائص والعيوب".[نقله ابن القيم في "إغاثة اللهفان"]
    وقال ـ رحمه الله ـ:
    25- "فإنه كلما كان الرجل أتم عقلاً كان الحرج بالكتاب أبعد منه، قال تعالى لرسوله:
    26- (المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ..(2)[الأعراف]
    والله تعالى رفع الحرج عن الصدور بكتابه، وكانت قبل إنزال الكتاب في أعظم الحرج والضيق، فلما أنزل كتابه ارتفع به عنها ذلك الحرج، وبقي الحرج والضيق على من لم يؤمن به. ومن آمن به من وجه دون وجه ارتفع عنه الحرج والضيق من الوجه الذي آمن به، دون ذلك الوجه".["الصواعق المرسلة"(4/1518)]
    فالوسوسة التي تلقيها شياطين الإنس والجن يصير محلها إلى الصدور لتبتلى بها، فلا بدَّ للعاقل الحكيم الذي يستجيب لأمر الله أن يقوم بمعالجتها ومجاهدتها لطردها، قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
    27- "ولما كانت الوسوسة كلاما يكرره الموسوس ويؤكد عند من يلقيه إليه، كرروا لفظها بإزاء تكرير معناها فقالوا: وسوس وسوسة، فراعوا تكرير اللفظ ليفهم منه تكرير مسماه".["بدائع الفوائد"(2/474)]
    فالمؤمن ينشرح صدره للحق فيتبعه، لأنه دائم التعوّذ بالله من شر الوسواس الخناس، ودائم الذكر لله، فمن انشرح صدره للحق فقد انعم الله عليه، والضال يضيق صدره بالحق؛ لأنه دائم الخضوع لوسوسة الشيطان فيتبع الباطل، فمن قسّى قلبه عن اتباع الحق فإنه لا يزال في ضيق وهم وحزن وضلال.
    لذا شاع استعمال انشراح الصدر في سرور النفس، وذهاب ضيق الهم والغم والحزن عنه.
    قال تعالى:
    28- (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (22) [الزمر]
    وهذه نعمة كبيرة، قال البيضاوي:
    29- "لم يشرح صدر أحد من العالمين، كما شرح صدره ـ عليه السلام ـ حتى وسع علوم الأولين والآخرين فقال:
    30- "أوتيت جوامع الكلم" .
    فالله تعالى شرح صدر نبيِّه للقيام بأعباء الدعوة، والاتصاف بمكارم الأخلاق وعلى رأسها خلق الصبر، والإقبال على الآخرة، وفي هذا توجيه لكل داعية إلى الله على بصيرة؛ أن يكون رحب الصدر هاديء النفس متجملاً بالصبر.
    قال ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ:
    31- "وهذا الشرح شرح معنوي ليس شرحاً حسياً، وشرح الصدر أن يكون متسعاً لحكم الله عز وجل بنوعيه: حكم الله الشرعي وهو الدين، وحكم الله القدري وهو المصائب التي تحدث على الإنسان؛ وذلك لأن الشرع فيه مخالفة للهوى فيجد الإنسان ثقلاً في تنفيذ أوامر الله، وثقلاً في اجتناب محارم الله، لأنه مخالف لهوى النفس، والنفس الأمارة بالسوء لا تنشرح لأوامر الله ولا لنواهيه".
    ثم قال ـ رحمه الله ـ:
    32- "وأما انشراح الصدر للحكم القدري، فالإنسان الذي شرح الله صدره للحكم الكوني تجده راضياً بقضاء الله وقدره، مطمئناً إليه، يقول: أنا عبد، والله رب يفعل ما يشاء، هذا الرجل الذي على هذه الحال سيكون دائماً في سرور لا يغتم ولا يهتم، هو يتألم لكنه لا يصل إلى أن يحمل همّاً أو غمّاً".
    ولأجل ديمومة انشراح صدر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتبعها الله بمنّة عظيمة وهي: أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال:

    وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)


    الوضع يكون للحط والتخفيف، ويكون للحمل والتثقيل، فإن عدّي بعن كان للحط، وإن عدي بعلى كان للتحميل.
    والوزر لغة: الحمل الثقيل. ومنه: حتى تضع الحرب أوزارها، أي : ثقلها من سلاح وغيره. ومنه الوزير: المتحمل ثقل أميره وشغله، وشرعاً الذنب كما في الحديث:
    33- "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". [رواه مسلم، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي]
    فيكون المعنى: كما قال الزجاج:
    34- "أي: وضعنا عنك إثمك أن غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر".
    وهو الذي ذهب إليه ابن كثير . وإشعار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، تكريم له وأدعى لبقاء صدره منشرحاً، لذا كان يتوجه ـ عليه السلام ـ لربه بالشكر على هذه النعمة، فإنه كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، أو ليصلي حتى تَرِم قدماه، أو ساقاه فقيل له:
    35- "لم تصنع هذا وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر"؟
    قال:
    36- "أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً؟![رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما]
    وهذا نظير إكرام الله تعالى ليوسف ـ عليه السلام ـ قال تعالى:
    37- (..كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) [يوسف]

    قال شيخنا محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:
    38- "إذن مغفرة الذنوب المتقدمة والمتأخرة ثابتة بالقرآن والسنة، وهذا من خصائص الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ، لا أحد من الناس يغفر له ما تقدم وما تأخر إلا الرسول ـ صلى الله عليه وسلّم ـ، أما غيره فيحتاج إلى توبة من الذنب، وقد يغفر الله له سبحانه وتعالى بدون توبة ما دون الشرك، لكن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ نجزم بأنه قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولهذا قال: (وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ،الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ) فإن قال قائل: هذه الآية وما سقناه شاهداً لها يدل على أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلّم ـ قد يذنب فهل النبي ـ صلى الله عليه وسلّم ـ يذنب؟
    فالجواب: نعم، ولا يمكن أن نرد النصوص لمجرد أن نستبعد وقوع الذنب منه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، ونحن لا نقول الشأن ألا يذنب الإنسان بل الشأن أن يغفر للإنسان، هذا هو المهم أن يغفر له، أما أن لا يقع منه الذنب فقد قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ:
    39- "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون".["الجامع الصحيح"(4515)]
    لابد من خطيئة، لكن هناك أشياء لا يمكن أن تقع من الأنبياء مثل الكذب والخيانة، فإن هذا لا يمكن أن يقع منهم إطلاقاً، لأن هذا لو فرض وقوعه لكان طعناً في رسالتهم وهذا شيء مستحيل، وسفاسف الأخلاق من الزنا وشبهه هذا أيضاً ممتنع، لأنه ينافي أصل الرسالة، فالرسالة إنما وجدت لتتميم مكارم الأخلاق".
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
    40- "وكانوا يسمونه الصادق الأمين، فكان الله قد صانه من قبائحهم، ولم يعرف منه قط كذبة، ولا خيانة، ولا فاحشة، ولا ظلم، قبل النبوة".["تفسير آيات أشكلت"(1/225)]
    والله تعالى صانه عن شرك الجاهلية وعبادة الأصنام، وكان لا يأكل ما ذبح على النصب، ووقف على عرفة وخالف ما ابتدعه قومه، وحفظ الله أن تبدو عورته، أو يظهر عرياناً. قال ابن إسحاق:
    41- "أن كان رجلاً أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خَلْقاً، وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جواراً، وأعظمهم خُلُقاً، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، تنزهاً وتكرماً، حتى ما اسمه في قومه إلا الأمين، لما جمع الله عز وجل فيه من الأمور الصالحة".["الروض الأنف"(1/207)]
    قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
    42- "فإذا حمل العبد الأوزار أوجب له ذلك ضيق الصدر وخمول الذكر".
    وقال:
    43- "وكلما ازداد الصدر ضيقاً كان أدعى إلى الذنوب والأوزار؛ لأن مرتكبها إنما يقصد بها شرح صدره ودفع ما هو فيه من الضيق والحرج".
    والمذنب لا يخرج من عسره، إلا بتجريد التوحيد، وتجريد الطاعة لمتابعة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فمتى قام بهذين الأصلين حصل له من شرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر، بحسب ما قام به، وبُدِّل عسره يسراً بمشيئته عز وجل، ومضى في الحق خفيفاً غير مثقل. قال ابن قتيبة:
    44- "وأصل الوزر: ما حمله الإنسان على ظهره، فشبّه الإثم بالحمل فجعل مكانه".["تأويل مشكل القرآن"(ص:140)]
    وحمل الوزر ينقض ويؤلم، لأنه ثقيل، قال شيخنا محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:
    45- "ولكن كأننا لم نحمل شيئاً، وذلك لضعف إيماننا وبصيرتنا وكثرة غفلتنا، نسأل الله أن يعاملنا بالعفو.
    في بعض الآثار:
    46- "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا، أي: بيده فذبه عنه".[روى مسلم المرفوع منه، وروى البخاري الموقوف عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ ورواه مرفوعاً وموقوفاً غيرهما]
    يعني أنه لا يهتم، فالمؤمن تهمه خطاياه وتلحقه الهم حتى يتخلص منها بتوبة واستغفار، أو حسنات جليلة تمحو آثار هذه السيئة، وأنت إذا رأيت من قلبك الغفلة عن ذنوبك فاعلم أن قلبك مريض، لأن القلب الحي لا يمكن أن يرضى بالمرض، والذنوب هي مرض القلوب".
    وقال بعض السلف:
    47- "هل أذنبت ذنباً؟
    قال:
    48- "نعم".
    قال:
    49- "فعلمت أن الله كتبه عليك".
    قال:
    50- "نعم".
    قال:
    51- "فاعمل حتى تعلم أن الله قد محاه".["جامع العلوم والحكم" لابن رجب]
    ولأن الظهر هو محل الحمل قال تعالى:

    الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3)


    قال الشيخ محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:
    52- "فإذا كان هناك حمل يتعب الظهر فإتعاب غيره من باب أولى، لأن أقوى عضو في أعضائك للحمل هو الظهر".
    والنقيض من الأصوات: ما يكون لمفاصل الجسم حين تعطي صوتاً من ثقل يقع عليها، والناس يضغطون على الأصابع عند المفاصل فتطلق صوتاً، هذا الصوت يطلق عليه في اللغة اسم "نقيض".
    والنقيض: هو الصوت الخفي الذي يسمع من الرحل الكائن فوق ظهر البعير، إذا كان الرحل ثقيلاً، ولا يكاد البعير يحمله إلا بمشقة وعسر.
    قال عبد الله اليزيدي:
    53- "أثقله فتنقَّضت له العظام كما ينتقض البيت إذا صوَّت للوقوع".["غريب القرآن وتفسيره]
    وقال الراغب الأصفهاني:
    54- "وحقيقة الانتقاض ليس الصوت، إنما هو انتقاضها في نفسها لكي يكون منها الصوت في ذلك الوقت، فعبر عن الصوت به".
    ولمّا تقدم في سورة الضحى أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يزل يصعد في درجات المعالي. فلم يتوقف عطاء الله تعالى له في الدنيا عند إتمام الدين، والنصر على أعداء الله، بل أعطاه في الآخرة الجزاء الأوفر ومنه المقام المحمود، والحوض المورود إلى غير ذلك من الفضائل، وزاده هنا ـ في سورة الشرح ـ عطاءً آخر؛ وهو: أن يرفع ذكره، إعلاء لمنزلته ـ عليه الصلاة والسلام ـ ورفعة لشأنه في الدنيا والآخرة، لذا مهّد لهذا العطاء بنعمتين: نعمة انشراح صدره للقيام بأعباء الدعوة، ونعمة غفران ذنبه، ليكون جديراً ـ عليه الصلاة والسلام ـ بحمل الرسالة الربّانية العظيمة، فيستحق لأجل هذا الثقل هذا العطاء تشريفاً له، لذا قال:

    وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4)


    ورفع الشيء يكون بإعلائه، ومنه رفع الرايات، ورفع المنارات، ليراها الراؤون، ورفع الله ذكر نبيِّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ تشريفاً له، ليسمع بصيته العظيم أهل السماوات والأرضين. فقرن اسمه باسمه تبارك وتعالى. قال مجاهد في تفسيرها:
    55- "لا أذكر إلا ذكرت، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله". [أخرجه عبد الرزاق، والجهضمي، في فضل الصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقال شيخنا الألباني: حديث قدسي صحيح مرسل، وقال الحافظ: أثر صحيح أخرجه البيهقي]
    وقال قتادة:
    56- "رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله".[أخرجه الطبري بسند حسن]
    وعنه قال:
    57- (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
    58- "ابدؤوا بالعبودية، وثنوا بالرسالة".
    قال معمر:
    59- "أشهد أن لا إله إلا الله؛ وأن محمداً عبده: فهذا العبودية. والرسالة: أن يقول عبده ورسوله.[أخرجه عبد الرزاق، وأخرجه الجهضمي، وقال الألباني: إسناده مرسل صحيح، ورجاله كلهم ثقات، ووقع من قول معمر: "ورسوله" بدل "والرسالة"، ولعل صوابه ما أثبتناه]
    وقال الحسن:
    60- "ألا ترى أن الله عز وجل لا يذكر في موطن إلا ذكر نبيه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ معه".[أخرجه الآجري في "الشريعة"(955)]
    وقيل:
    61- "وصلنا اسمك باسمنا في الأذان والتوحيد، فلا يقبل إيمان العبد حتى يؤمن بك".[قاله التستري الصوفي]
    وقيل:
    62- "رفع ذكره بأخذ ميثاقه على النّبيين, وإلزّامهم الإيمان به, والإقرار بفضله".["تفسير الخازن"]
    قال تعالى:
    63- (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) [آل عمران]
    وقال صاحب متمم "أضواء البيان" ـ رحمه الله ـ:
    64- "لم يبيَّن هنا بم ولا كيف رفع له ذكره، والرفع يكون حسياً ويكون معنوياً، فاختلف بالمراد به أيضاً. فقيل هو حسي في الأذان، والإقامة، وفي الخطب على المنابر وافتتاحيات الكلام في الأمور الهامة، واستدلوا لذلك بالواقع فعلاً، ..
    ومن رفع الذكر معنىً أي: من الرفعة، ذكره ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كتب الأنبياء قبله، حتى عرف للأمم الماضية قبل مجيئه".
    عن العرباض بن سارية عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال:
    65- "إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم بأول أمري: دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت ـ حين وضعتني ـ وقد خرج لها نور أضاءت لها منه قصور الشام".[حديث صحيح "هداية الرواة"(5691)، وقوله: "لمنجدل" أي: مطروح على وجه الأرض صورة من طين، لم يجر فيه الروح بعد. والحديث رواه البغوي في "شرح السنة"(3626)]
    وعن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في التوراة؟ قال:
    66- "أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن"..الحديث.[أخرجه البخاري، وأحمد، والبغوي في "شرح السنة"(3627)]
    قال صديق حسن خان ـ رحمه الله ـ:
    67- "وبالجملة فقد ملأ ذكره الجميل السماوات والأرضين، وجعل الله له من لسان الصدق والذكر الحسن والثناء الصالح ما لم يجعله لأحد من عباده، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم".
    وقول مجاهد أخرجه الإمام الشافعي وقال:
    68- "يعني ـ والله أعلم ـ ذكره عند الإيمان بالله، والأذان، ويحتمل ذكره: عند تلاوة الكتاب، وعند العمل بالطاعة، والوقوف عن المعصية".["الرسالة"(ص:16)]
    قال السبكي:
    69- "هذا الاحتمال من الشافعي جيد جداً، وهو مبني على أن المراد بالذكر، الذكر بالقلب، وهو صحيح، فعلى هذا يعم؛ لأن الفاعل للطاعة أو الكافّ عن المعصية امتثالاً لأمر الله تعالى به، ذاكراً للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقلبه؛ لأنه المبلغ لها عن الله، هذا أعم من الذكر باللسان، فإنه مقصور على الإسلام والأذان والتشهد والخطبة ونحوها. قال الشافعيّ: فلم تُمْسِ بنا نعمة ظهرت ولا بطنت، نلنا بها حظاً في دِين أو دنيا، أو رُفع عنا بها مكروه فيهما أو في واحد منهما، إلا ومحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ سببها؛ فعلم من هذا أنه إن أبقى العموم والحصر على ظاهره، حمل الذكر القلبيّ فيشمل كل موطن من مواطن العبادة والطاعة، فإن العاقل المؤمن إذا ذكر الله، تذكر من دل على معرفته وهداهُ إلى طاعته، وهو رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ... ولك أن تقول: المراد برفع ذكره تشريفه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمقارنته لذكره في شعائر الدين الظاهرة، وأولها كلمتا الشهادة، وهما أساس الدِّين ثم الأذان والصلاة والخطب، فالحصر إضافيّ". [انتهى كلام الشهاب نقلاً عن "محاسن التأويل" للقاسمي]
    ولأتباعه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الطائفة المنصورة حظ وافر من رفع الذكر قال تعالى:
    70- (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ..(11) [المجادلة]
    قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
    71- "شرح الله صدر رسوله أتم شرح، ووضع عنه وزره كل وضع، ورفع ذكره كل الرفع، وجعل لأتباعه حظاً من ذلك إذ كل متبوع فلأتباعه حظ ونصيب من حظ متبوعهم في الخير والشر، على حسب اتباعهم له، فأتبع الناس لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أشرحهم صدراً، وأوضعهم وزراً، وأرفعهم ذكراً، وكلما قويت متابعته علماً وعملاً وحالاً وجهاداً، قويت هذه الثلاثة حتى يصير صاحبها أشرح الناس صدراً، وأرفعهم في العالمين ذكراً".
    عن ابن عباس مرفوعاً:
    72- "أولياء الله هم الذين يذكر الله لرؤيتهم".["الصحيحة"(1646)]
    فإذا تقرر عندك ما أنعمه الله عليك من شرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر، فامض في سبيل الله على منهاج النبوة والسلف، واعلم أنه ما من عسر إلا ويعقبه يسر، وما من شدة إلا ويعقبها فرج، وما من هم أو غمٍّ إلا وينكشف وتحل محله المسرات والأفراح.
    فلا ينبغي لمن حمل أعباء الدعوة وقد شرح الله صدره للقيام بهذه الوظيفة على تمامها، أن يقنط من رحمة الله إذا واجهته الشدة، ولا ينبغي له أن ييأس إذا تعقدَّت أمامه المشكلات:

    فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5)


    العسر واليسر ضدّان، وإن مع العسر يسراً يؤمن بها كل بصير بدينه، وترسخ في قلب كل موحِّد لله. لأن الله تعالى وعد المؤمنين كلّما واجههم العسر أتبعهم يسرين، لأن ما يعرض لهم من العسر سببه الدعوة إلى الله ولصالح المسلمين. فالآية بشارة لكل مؤمن يقوم بواجباته متبعاً منهج النبوة والسلف.

    قال مجاهد:
    73- "يتبع اليسر العسر". [أخرجه الطبري بسند صحيح]
    وقال الشيخ جمال الدين القاسمي:
    74- "وفي كلمة (مَعَ) إشعار بغاية سرعة مجيء اليسر، كأنه مقارن للعسر".
    وقال شيخنا محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:
    75- "اليسر أن يفرج الكرب ويزول، وهذا يسر حسي، وأن يعين الله الإنسان على الصبر (وهذا يسر معنوي) حتى يكون هذا الأمر الشديد العسير أمراً سهلاً عليه، نقول هذا؛ لأننا واثقون بوعد الله".
    واثقون لأن كلام الله حق، ولأن نبينا محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان له مع كل عسر يسر، ولأن أولياء الله الطائفة المنصورة كان لهم أيضاً مع كل عسر يسر.
    76- "فإن الله تعالى فتح له الحجاز، وتهامة، وما والاها، وعامة بلاد اليمن، وكثيراً من البوادي، إلى قريب من العراق والشام، وفتح على أصحابه ما فتح، وأغنمهم كنوز كسرى وقيصر، وقد صار حال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في آخر أمره انه كان يهب المئين من الإبل، والألوف من الغنم، ويدخر لعياله قوت سنة فهذا الذي ذكرناه هو معنى الآية".[قاله السمعاني ـ رحمه الله ـ]
    وتقدم في سورة الأعلى قوله تعالى:
    77- (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8) [الأعلى]
    فدلّت على أن الله تعالى فتح على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أبواب التيسير والتسهيل ما لم يفتحه على أحد غيره. وكذلك حصل لأولياء الله تعالى من النصر والظفر عبر سنوات مضت، كتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعاً من الروم، وما يتخوَّف منهم، فكتب إليه عمر بن الخطاب:
    78- "أما بعد؛ فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة، يجعل الله له بعدها فرجاً، وإنه لن يغلب عسر يسرين".[أخرجه مالك في "الموطأ" بسند منقطع، لكن أخرجه ابن أبي الدنيا في "الفرج بعد الشدة" موصولاً، وقال ابن حجر في "التغليق التعليق"(4/372): هذا إسناد حسن]
    وسيبقى لأولياء الله حظهم في هذه الآية كذلك وافراً إلى قيام الساعة، كما أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
    79- "لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم خذلان من خذلهم حتى تقوم الساعة".["صحيح الجامع"(7292)]
    فإذا وقع عليك الابتلاء ومنه خذلان المخَذّلين فلا تأبه به وتجمَّل بالصبر، واعلم أن الذي عرفته بالرخاء، يعرفك بالشدة، وأن مع العسر يسراً، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال:
    80- "تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة".["صحيح الجامع"(2961)]
    وعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً:
    81- "وإن كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالفقر حتى يأخذ العباءة فيجوِّبها(وفي رواية: حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها)، وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء".["الصحيحة"(2047)، و (144) و "صحيح الترغيب والترهيب"(3403) ومعنى يجوِّبها: أي يخرقها ويقطعها، وكل شئ قطع وسطه فهو مجبوب، وعند ابن ماجه: (إلا العباءة التي يحوِّيها)]
    وهذه الحقيقة يجب أن يستشعرها ويتعايش معها كل مؤمن، وقد عاش العسر الأنبياء الذين هم أشد الناس بلاء، وقاسى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من اليتم، وقاسى من العيلة، وقاسى من ضلال قومه العرب وبعدهم عن هدي النبوة، وتحمل أذى قومه على الرغم من أنه كما وصفته خديجة ـ رضي الله عنها ـ بقولها:
    82- "إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتَقري الضيف، وتحمل الكلَّ، وتُكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق".[تقدم في تفسير سورة القلم]
    ثم ماذا كان؟ كان اليسر، وكان الفتح، وكانت الانتصارات، وكان النور، وكان الخير، فالآية بمثابة البشارة من الله عز وجل للرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حتى أنه خشي على أمته أن تبسط الدنيا عليهم كما بسطت على من كان قبلهم فتنافسوها فحذَّر قائلاً:
    83- " فوالله ما الفقر أخشى عليكم؛ ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم".["صحيح الجامع"(1036)]
    قال البقاعي ـ رحمه الله ـ:
    84- "ولمّا كان العسر مكروهاً إلى النفوس، وكان لله سبحانه وتعالى فيه حكمٌ عظيمة، وكانت الحكم لا تتراءى إلا للأفراد من العباد، كرر سبحانه وتعالى على طريق الاستئناف لجواب من يقول: وهل بعده من عسر؟ مؤكداً له ترغيباً في أمره، ترقباً لما يتسبب عنه مبشراً بتكريره ..فقال":

    إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(6)


    قال ابن قتيبة:
    85- "كل هذا يراد به التأكيد للمعنى الذي كُرِّر به اللفظ".["تاويل مشكل القرآن"(ص:236)]
    وكرره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مؤكّداً في الحديث الذي رواه أنس ـ رضي الله عنه ـ لتقرير معناه في النفوس، وتمكينه في القلوب فقال:
    86- "النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسراً، وإن مع العسر يسراً".["الصحيحة"(2382)]
    قال ابن رجب الحنبلي ـ رحمه الله ـ:
    87- "ومن لطائف أسرار اقتران الفرج بالكرب، واليسر بالعسر: أن الكرب إذا اشتد وعظم وتناهى، حصل للعبد الإياس من كشفه من جهة المخلوقين، وتعلق قلبه بالله وحده، وهذا هو حقيقة التوكل على الله، وهو أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج، فإن الله يكفي من توكل عليه".
    وعلى اتحاد العسر وتعدد اليسر يكون الحاصل أن مع كل عسر يسرين، قال البخاري:
    88- "قال ابن عيينة: "أي إن مع ذلك العسر يسراً آخر، كقوله: (قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) ولن يغلب عسر يسرين".

    قال الحافظ:
    89- "وهذا مصير من ابن عيينة إلى اتباع النحاة من قولهم: إن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى، وموقع التشبيه أنه كما ثبت للمؤمنين تعدد الحسنى كذا ثبت لهم تعدد اليسر، أو أنه ذهب إلى أن المراد بأحد اليسرين الظفر، وبالآخر الثواب، فلا بد للمؤمن من أحدهما".
    وقال الثعلبي:
    90- "ومن عادة العرب إذا ذكرت اسماً معرفة ثم أعادته فهو هو، وإذا نكَّرته ثم كررته فهما اثنان".
    قال الحافظ القصّاب ـ رحمه الله ـ:
    91- "غنيمة للمؤمن ليطمئن إليه، ولا يضيق صدره من عسر يلحقه، فإن مع كل عسر يسرين".["نكت القرآن"]
    وقال ابن القيم:
    92- "فالعسر وإن تكرر مرتين، فتكرر بلفظة المعرفة فهو واحد، واليسر تكرر بلفظ النكرة فهو يسران،فالعسر محفوف بيسرين: يسر قبله ويسر بعده، فلن يغلب عسر يسرين".["بدائع الفوائد"(2/155)]
    ولمّا كانت أحوال الداعية البصير تتنوع بتنوع الظروف المحيطة به، وتكاليف الدعوة هي أيضاً بحد ذاتها متنوعة، ولئلا يصاب الداعية بالملل أو الضجر جرّاء ما يلاقيه، ولكي يستمر قائماً ـ بأعباء الدعوة ـ، مطمئناً ـ لأن الله تعالى يجعل مع كل عسر يسرين ـ سعيداً ـ لأنه منشرح الصدر ـ فلا بد من المعاودة طلباً للمجاهدة لذا قال:

    فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ(7)


    فإذا فرغت من عمل صالح فانصب، أي: فاجتهد في مزاولة عمل آخر، ولو كان فراغك من النوم، لأنك محتاج للراحة لتستمر في طاعة الله وعبادته، فعن أنس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:
    93- "إذا نعس أحدكم في الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقرأ".[رواه البخاري والنسائي]

    وفي رواية:
    94- "إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف فلينم حتى يعلم ما يقول".[صحيح الجامع"(811)]
    وقال الإمام ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسير الآية:
    95- "أي: إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها وقطعت علائقها، فانصب إلى العبادة وقم إليها نشيطاً فارغ البال".
    واستدل ـ رحمه الله ـ بما رواه الشيخان:
    96- "لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان".["صحيح الجامع"(7509)]
    واستدل بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
    97- "إذا أقيمت الصلاة، وحضر العشاء، فابدءوا بالعشاء".["صحيح الجامع"(374)]
    ومن هذا الباب قوله تعالى:
    98- (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) [الجمعة]
    فلا تجعل الوقت يمر هباءً، بل بالغ بالمجاهدة فكلما فرغت من عمل يعود عليك وعلى المسلمين بالنفع؛ شرعت في عمل آخر، وهكذا ..
    وهذا المعنى كالمعنى في قوله تعالى:
    99- (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) [الحجر]
    فتضمن أمره عز وجل مواصلة المجاهدة في سبيله. وهذه المواظبة على الأعمال الصالحة تؤدي إلى السعادة. روى البخاري عن مجاهد:
    100- "فانصب في حاجتك إلى ربك".
    وعن زيد بن أسلم قال:
    101- "إذا فرغت من الجهاد فتعبَّد". [أخرجه ابن أبي حاتم]
    وعن قتادة قال:
    102- "إذا فرغت من صلاتك فانصب في الدعاء".[أخرجه عبد الرزاق]
    وقال الألوسي ـ رحمه الله ـ:
    103- "وأشعرت الآية بأن اللائق بحال العبد أن يستغرق أوقاته بالعبادة، أو بأن يفرغ إلى العبادة بعد أن يفرغ من أمور دنياه على ما سمعت من قول مجاهد فيها، وذكروا أن قعود الرجل فارغاً من غير شغل، أو اشتغاله بما لا يعنيه في دينه أو دنياه من سفه الرأي وسخافة العقل واستيلاء الغفلة".
    وقال شيخنا العثيمين:
    104- "ولهذا كانت حياة الإنسان العاقل حياة جد، كلما فرغ من عمل شرع في عمل آخر".
    وهذا نظير قوله تعالى لموسى وهارون ـ عليهما السلام ـ:
    105- (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) [طه]
    قال ابن جرير:
    106- " يقول: ولا تضعفا في أن تذكراني فيما أمرتكما ونهيتكما، فإن ذكركما إياي يقوي عزائمكما، ويثبت أقدامكما، لأنكما إذا ذكرتماني، ذكرتما منِّي عليكما نِعَما جمَّة، ومننا لا تحصى كثرة".
    واعلم أنك كلمّا توجهت لعمل صالح جديد، أنت بحاجة إلى معونة ربك، فتذكر نعمه عليك لتنتقل موفقاً بمشيئته إلى عمل صالح غيره لذا قال:

    وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ(8)


    قال الطبراني:
    107- "أي: ارفع حوائجك إلى ربك، ولا ترفعها إلى أحد من خلقه".
    وقال ابن جرير:
    108- "اجعل نيتك ورغبتك إليه دون من سواه من خلقه، إذ كان هؤلاء المشركون من قومك قد جعلوا رغبتهم في حاجاتهم إلى الآلهة والأنداد".
    فإذا أنت لجأت إلى الله مخلصاً أنعم عليك بكل ما تقدم، وأنعم عليك بالعزيمة والبصيرة، وجدّد لك انشراح الصدر لتستمر في أداء بيان الحق، وتبليغ الرسالة بسعادة وارتياح.


    وقال شيخنا العثيمين ـ رحمه الله ـ:
    109- "كن مع الله عز وجل قبل العمل وبعد العمل، قبل العمل: مع الله تستعينه عز وجل، وبعده: ترجو منه الثواب".
    قال البقاعي:
    110- "أي افعل ذلك: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) فقد اتصل هذا الآخر بالأول اتصال المعلول بالعلة".
    ومن تحريفات الرافضة ـ قاتلهم الله ـ لكتاب الله تعالى لفظاً ومعنىً أنهم قرؤوا قول الله تعالى: (فَانصَبْ) بكسر الصاد، قال ابن عطية ـ رحمه الله ـ:
    111- "وقرأ آخرون من الإمامية فانصِب ـ بكسر الصاد ـ بمعنى: إذا فرغت من أمر النبوة فانصِب خليفة، وهي قراءة شاذة ضعيفة المعنى لم تثبت عن عالم".
    وقد نقل الشيخ إحسان إلهي ظهير ـ رحمه الله ـ عن كتب الشيعة ما يؤكد مذهبهم في تفسير الآية قالوا:
    *- "فإذا فرغت من نبوتك فانصب علياً للولاية".
    وقالوا:
    *- "فانصب علياً وصياً".
    وقالوا:
    *- "فانصب علياً علماً للناس".
    وقالوا:
    *- "ألم نشرح لك صدرك بعلي".
    وقالوا:
    *- "ورفعنا لك ذكرك بعلي".["الشيعة والقرآن"(ص:335-336)]
    والآية التي أدرجوها في السورة افتراءًً:
    *- "وجعلنا علياً صهرك".
    ومن ثم زعموا ـ قاتلهم الله ـ أنها سقطت من السورة، والسورة مكية ولم يكن علي - رضي الله عنه - صهراً للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمكة.

    المواضيع المتشابهه:

    jtsdv s,vm Hgl kavp


  2. #2
    :: :: المديــر العــام :: :: الصورة الرمزية مشعل عبدالله
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الدولة
    الكويت
    المشاركات
    3,779
    معدل تقييم المستوى
    50

    افتراضي

    جزاك الله خيرا .. وبارك الله فيك


  3. #3
    (>>((( عضو أساسي )))<<) الصورة الرمزية إنجازات
    تاريخ التسجيل
    Dec 2012
    الدولة
    بلاد الإسلام هى بلادي
    المشاركات
    5,306
    معدل تقييم المستوى
    19

    افتراضي

    الحمد الله على السلامة فاقدين الطلة عسى المانع خير
    إنشاء الله وشكرا لك على التواصل الذي يزيد دفعة
    إلى الإمام ورفع الهمة .
    شكرًا لك أخى وبارك الله فيك


  4. #4
    الصورة الرمزية مجدى سالم
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    19,161
    معدل تقييم المستوى
    80

    افتراضي



    مشاركتك جداا روعة
    وجميلة جدا ومميزة
    وهاااااااااااااامة
    جزاك الله خيرا اختى الغالية
    وبارك فيك
    واشكرك على مجهودك المميز ومواضيعك الرااائعة



  5. #5
    :: مراقبة ::
    المنتديات الاسلامية
    الصورة الرمزية بسومه
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    الدولة
    العراق..
    المشاركات
    31,935
    معدل تقييم المستوى
    119

    افتراضي




صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •